محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
456
شرح حكمة الاشراق
المقالة الخامسة في المعاد والنّبوات والمنامات وفيها فصول فصل [ 1 ] في بيان التّناسخ بمعنى انتقال نفوس الأشقياء إلى الأجساد الحيوانيّة المناسبة لها في الأخلاق والأفعال . وفي البرهان على بقاء النّفس بعد المفارقة . وقبل الخوض فيه ، لا بدّ من تقديم مقدّمة ، وهي أنّ شرذمة قليلة من القدماء ذهبوا إلى امتناع تجرّد شئ من النّفوس بعد المفارقة ، لأنّها جرميّة دائمة الانتقال في الحيوانات وغيرها من الأجسام ، ويعرفون ب « التّناسخيّة » . وهم أقلّ الحكماء تحصيلا ، لأنّهم إن أرادوا بكون النّفوس جرميّة أنّها منطبعة ، ومع ذلك منتقلة ، فهو محال ، لامتناع انتقال الصّور والأعراض من محلّ إلى آخر ؛ وإن أرادوا به أنّها مجرّدة ، ودائمة الانتقال في الأجسام من غير خلاص إلى عالم النّور فهو باطل ، إذ العناية الإلهيّة تقتضى إيصال كلّ ذي كمال إلى كماله . وكمال النّفس ، أمّا العلمىّ ، فبصيرورتها عقلا مستفادا فيها صور جميع الموجودات ، وأمّا العملىّ فبالتّخيلة عن رذائل الأخلاق والتّحلية بمكارمها . فلو كانت دائمة الانتقال كانت ممنوعة عن كمالها أزلا وأبدا ، والعناية الأزليّة تأبى ذلك . وأجمع غيرهم من الحكماء الأوائل والأواخر قاطبة على أنّ الكاملين من السّعداء يتّصل نفوسهم . بعد المفارقة بالعالم العقلىّ ، وتنال من البهجة من السّعادة « ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » غير منقطعة لذّاتهم ، ولا متناهية مسرّاتهم . وأمّا غير الكاملين من السّعداء ، كالمتوسّطين منهم والنّاقصين في الغاية و